السيد جعفر مرتضى العاملي

240

صفوة الصحيح من سيرة النبي الأعظم ( ص )

وجه الحكمة في اعتماد إجراءٍ كهذا ، فأعجبهم ذلك حينئذٍ ، فقبلوه واجتمعت كلمتهم عليه ؛ ولكن كلمات كثير من المؤرّخين قد أظهرت : أنّ سلمان هو المشير بحفر الخندق ، من دون أن تشير إلى أي تحفّظ في ذلك ، « 1 » وهذا هو ما استنتجه بعض المشركين حين فوجئوا بالخندق . « 2 » وفي مقابل ذلك نجد ابن إسحاق وكذا غيره ينسب حفر الخندق إلى رسول الله ( ص ) ولا يشير إلى مشورة سلمان ، لا من قريب ولا من بعيد . « 3 » بل إنّ النّبيّ ( ص ) قد كتب في رسالته الجوابيّة لأبي سفيان : « وأمّا قولك مَنْ عَلَّمنا الّذي صنعنا من الخندق ، فإنّ الله ألهمني ذلك » . « 4 » ولا نُخفى هنا إعجابنا بهذا الوعي من سلمان المحمّدي حيث بادر في الوقت المناسب إلى تقديم تبرير لأولئك النّاس الّذين اختلفوا على رسول الله ( ص ) يتوافق مع طريقة تفكيرهم ، حيث قرّر لهم : أنّ الخندق المقترح من شأنه أن يحدّ من فاعليّة الخيل في الحرب ويدفع غائلتها ، ويصبح الجهد الشّخصي للأفراد ، هو الّذي يقرّر مصير الحرب ونتائجها . فكان أن استجاب المسلمون لاقتراح حفر الخندق وأعلنوا موافقتهم عليه ، وتحمّلوا مسؤوليّة الخيار والاختيار ، وهذا بالذّات هو ما أراده الرّسول ( ص ) وسواء أكان حفر الخندق بمشورة سلمان أم لم يكن ، بل النّبيّ ( ص ) هو الّذي بادر إلى

--> ( 1 ) 1 . راجع : وفاء الوفاء ، ج 1 ، ص 300 وج 4 ، ص 1206 ، والثقات ، ج 1 ، ص 266 ، والتنبيه والإشراف ، ص 216 ، وسيرة مغلطاي ، ص 56 ، والكامل في التاريخ ، ج 2 ، ص 178 ( 2 ) 2 . راجع : سبل الهدى والرشاد ، ج 4 ، ص 530 ، وتفسير القمي ، ج 2 ، ص 182 ، وبحار الأنوار ، ج 20 ، ص 224 ، والمغازي ، ج 2 ، ص 470 ( 3 ) 3 . راجع : السيرة النبوية لابن هشام ، ج 3 ، ص 226 ، وجوامع السيرة النبوية ، ص 148 ، وعيون الأثر ، ج 2 ، ص 55 ، وتهذيب سيرة ابن هشام ، ص 189 ، ودلائل النبوة للبيهقي ، ج 3 ، ص 399 ( 4 ) 4 . الإمتاع ، ج 1 ، ص 240 ، وخاتم النبيين ، ج 2 ، ص 942 .